محمد غازي عرابي

700

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الرحمن الصفة الجامعة للوجود الحي ، فالرحمة صفة إلهية أخرجت الوجود من بطنان العدم ، أو كما يقال في الفلسفة أخرجت الإمكان من اللاإمكان أي أخرجت الوجود من إمكان تعينه ، فالرحمن مستو موجود حي سواء اعترف الناس به أم أنكروا ، فما يضر اللّه شيئا إن أنكر الكافر وجوده أم لا . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 61 ] تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً ( 61 ) [ الفرقان : 61 ] للآية بطنان ، الأول ما عرف في الفلك من قبل علماء الفلك قدامي ومحدثين ، وهو أن السماء ذات بروج من الكواكب وهي اثنا عشر ، كما ربطت الصوفية والحكماء بين الأبراج والبشر ، ولابن عربي في الفتوحات صفحات في وصف هذه العلاقة ، وكيف تؤثر النجوم في الطبائع ، وقال محمد صادق عنقا شاه ، من الصعب أن أقبل الرأي القائل إن مؤثرات النجوم في مسير الحياة ومواصلتها ونسق التفكير ، والخلاصة في جزئيات وجودي وكلياته ، ضعيفة أوليس لها تأثير . أما البطن الثاني فهو الوحدة العامة للكون وهي كونه ذا اثنتي عشرة قوة من الحواس الظاهرة والباطنة بالإضافة إلى الفكر والإرادة أما السراج فهو الذات الجامعة المشعة للصفات ، فالسراج هنا معنوي مثل المصباح الذي ضربه اللّه مثلا لنوره ، والقمر الذات القابلة أو النفس الكلية المسماة اللوح المحفوظ والرق المنشور ، وعليه فالكثرة تدمج في هذه الصورة الجامعة ، ويكون الإنسان الكامل فاعلا ومنفعلا ، طابعا ومطبوعا ، آخذا بذاته لذاته ، فهو واحد وإن تكثر ، وهو يتكثر من قبل معلولاته ، وقيل وحدته من قبل هويته ، أو هو في وحدة مع هويته ، ويكون هو مجموع البشر . فالحديث إذن عن روح العالم الذي سميناه في كتاب لنا الإنسان الكبير ، وسماه الإمام الغزالي المطاع كما جاء في صفة النبي في القرآن ، فالذات هي التي تشع فهي بمثابة الشمس وأشعتها ، والذات هي التي تكون مساقط الأشعة ، فتكون الذات منها وإليها وبها وعنها ، وهذا ما عنيناه بفتق الرتق الذي كانت السماء والأرض إياه ثم فتقهما اللّه سبحانه . فمعنى لا إله إلا اللّه أن الذات كما قال ابن عربي ، اقتطعت منها قطعة لم تكن بها متصلة لتكون بعد القطع منفصلة فهي تسأل وهي تجيب ، وتبدو جاهلة وهي العالمة ، فكأن ما يقع في الذات الكلية ما يقع في النفس الجزئية من حوار فكري يكون الانسان فيه هو السائل والمجيب ، قال ابن عربي في وصف هذه الصورة الجامعة : إعلم أن مرتبة الإنسان الكامل من العالم مرتبة النفس الناطقة ، من الإنسان ، فهو الكامل الذي لا أكمل منه وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ،